الشخصيات:
- شعبان وهو الخادم، قوي الجسم، يرتدي بدلة
باستمرار.
- الدكتور عقيل وهو الضيف، في
الثلاثينات.
- شوقي وهو السيد، في الستين من عمره، شعره
شائب.
- رجاء طالبة جامعية في الحادية
والعشرين.
المشهد الأول
1
- (غرفة الصالون لأحد
القصور الريفية القديمة التي يمتلكها الأغنياء. نرى الباب الرئيسي
وباب داخلي وهناك درج ملتف بأناقة يؤدي إلى الطابق العلوي. في الصدر
شيمينيه تشتعل فيها الحطب ومقعدان جلديان وهاتف، بينما توضعت طاولة
مستديرة للعب الورق وكراسٍ خاصة بها. الفرش قديم ولكنه
جيد)
- (نرى الأشياء التالية:
مكتبة على أحد رفوفها جهاز تلفزيون، عدة طبقات من ورق اللعب بسماكات
مختلفة، صورة للوحة من الفن الحديث، صورة روليت، صورة بيدق شطرنجي
كبير. رأس حيوان محنط معلق على الجدار، بندقية صيد معلقة، إعلان
للكوكا كولا، رقعة شطرنج على حامل والأحجار مصفوفة، طاولة
زهر)
- (موسيقا، اضاءة خافتة.
انها تمطر في الخارج بقوة، نسمع الرعد وصوت الهطول ونرى كيف تبرق.
تقوى الاضاءة بالتدريج "ولكن تبقى هناك بعض الزوايا الأقل اضاءة"
وتخفت الموسيقا فنرى السيد وخادمه يقفان ينظران إلى الباب. أثناء كل
ذلك نسمع صوت دق ملهوف على الباب.)
- الدكتور عقيل: ياسيد،
أرجوك افتح الباب. افتح أرجوك. لاتخف، أنا الدكتور عقيل، الاستاذ
المساعد في الجامعة. لقد تعطلت سيارتي في هذا الطقس الرهيب، أرجوك ان
تسمح لي ان أخابر زوجتي لكي تأتي وتأخذني..
- (الطرق مستمر، الخادم
يستدير نحو سيده ليعرف مايفعل.)
- شوقي: يبدو اننا سنتسلى
الليلة ياشعبان.. أرجو ان يعرف الرجل شيئاً عن لعب الورق، أو على
الأقل ان يكون ملماً بلعب الشطرنج. ولكن في كل الأحوال، حتى ولو لم
يكن لاعباً جيداً فإنني سأعلمه لأكسب منه بعض الرهانات. هل قال انه
استاذ مساعد في الجامعة؟
- شعبان: نعم ياسيدي، هكذا
سمعت أنا أيضاً.
- شوقي: عظيم، انهم أذكياء
في مواضيع اختصاصاتهم، هبلان في أمور الدنيا. سوف نتسلى كثيراً. هل
تعلم انه لم يخطئ أحد وطرق بابنا منذ عشرين شهراً؟
- شعبان: نعم ياسيدي..
عشرون شهراً.
- شوقي: سوف تفتح له
ياشعبان، وسوف نستقبله أحسن استقبال. أعتقد انه جرز خائف ومبلل من
رأسه حتى قدميه. سوف نعرف كيف وصل إلى هنا، سوف تقدم له الشوربة
الساخنة ثم علي ان أعلمه إحدى الألعاب ومن ثم علي ان ألاعبه حتى
الصباح لأكسب منه بعض الرهانات.
- شعبان: أنا جاهز
ياسيدي.
- شوقي: لقد مضى وقت طويل
منذ ان ضاع أحدهم في الغابة وطرق بابنا.. هل تذكر ذلك الطبيب؟ كسبت
منه رهاناً يساوي عمره.
- شعبان: أذكره
ياسيدي.
- شوقي: هل غرفة الضيوف،
تلك التي في القبو، جاهزة؟
- شعبان: نعم، جاهزة
ياسيدي.
- شوقي: إذن، افتح الباب
ودع المسكين يدخل..
- (يجلس السيد على احد
المقعدين بجانب المدفأة ويمسك ورق اللعب يخربطه بينما يذهب الخادم
ليفتح الباب. يدخل الضيف وقد رفع معطفه المبلل يحمي به رأسه ونراه
وقد تبلل بالماء. الضيف الاستاذ في الثلاثينات من عمره رقيق، مرتبك
وخائف، نسمع معه بشكل واضح صوت هطول المطر والرعد)
- الدكتور عقيل: آه، الحمد
لله. شكراً لك ياأخي الكريم.. المعذرة على تطفلي في هذا الوقت من
الليل.. مساء الخير.
- (الخادم قليل الكلام
ويبقى متجهماً، ينهض اليه السيد بشوشاً ومرحباً وبيده ورق اللعب
يخربطه ويعبث به باستمرار)
- شوقي: مساء النور..
أهلاً وسهلاً.
- الدكتور عقيل: آه (يراه)
مساء الخير ياسيد، أرجو المعذرة، انقطعت بي السيارة على الطريق
العام، أنا في ورطة حقيقية، تصور غضب السماء هذا، انه لا يحتمل، لأول
مرة في حياتي أسافر من اللاذقية إلى حلب فتفاجئني العاصفة. اعتدت
السفر في طريق الغاب الموحش. عندما انطلقت من اللاذقية كانت السماء
صاحية إلا من بعض الغيمات المسالمات. فجأة هبت الريح القوية وبدأت
ترعد وتبرق.
- شوقي: هذا شيء عادي
عندنا.
- الدكتور عقيل: كنت
دائماً أقول لزوجتي الله يحميني من العواصف أثناء الطريق، فنظري لا
يساعدني على الرؤية الجيدة في الليل بينما تنهمر على السيارة سيول
الأمطار. كانت ماسحات الزجاج الأمامي تعمل بأقصى سرعتها ومع ذلك لم
تكن كافية لرؤية سليمة.
- شوقي: وهل حدث معك حادث
لا سمح الله؟
- الدكتور عقيل: خرجت عن
الطريق فاصطدمت بجذع شجرة.
- شوقي: يا ساتر.. وماذا
حدث؟ لا تقل أنك مصاب (يتفحصه)
- الدكتور عقيل: لا والحمد
لله.. كنت أضع حزام الأمان كعادتي. زوجتي توصيني بذلك باستمرار.
خابرتها قبل انطلاقي من اللاذقية كعادتي أيضاً. قالت لي قد بهدوء
وانتباه ولا تنس ربط الحزام. تعودت على هذه العادة السليمة في أوروبا
أثناء تحضيري لشهادة الدكتوراة هناك. هذه العادة ليست موجودة هنا في
بلادنا. قال لي زميلي في الجامعة انه يشعر وكأنه مكبل حين يقود
سيارته مستعملاً حزام الأمان. قال انه غير معتاد، بينما نحن، انا
وزوجتي معتادان عليه. في أوروبا يغرمون السائق الذي يقود دونه، أما
هنا فلا.. لا أعرف السبب.
- شوقي: إذن فأنت تقول ان
حزام الأمان قد أنقذك حين اصطدمت بجذع الشجرة.
- الدكتور عقيل: نعم.. هذا
هو بالضبط.
- شوقي: ولكنك مبلل بشكل
كامل، سوف تصاب بالبرد. شعبان، خذ معطف ضيفنا واجعله
يجف..
- شعبان: حاضر
ياسيدي.
- (يأخذ المعطف، الضيف
يشعر بالحرج والضيق)
- الدكتور عقيل: أنا آسف
على اتعابك ياسيد شعبان.
- شوقي: شعبان خادمي وهذه
هي مهمته، خدمتي وخدمة ضيوفي.
- الدكتور عقيل: مع ذلك
أشعر..
- شوقي: لن تشعر بشيء،
لماذا لا تخلع حذاءك المبلل؟
- الدكتور عقيل: ليست هناك
ضرورة ارجوك.
- شوقي: شعبان، أحضر لضيفي
الأستاذ خفاً منزلياً، يجب ان لا ندع الرطوبة تتسلل إلى عظام
ضيفنا.
- شعبان: حاضر
ياسيدي.
- الدكتور عقيل: أرجوك..
أرجوك.. العفو.. كل ما هنالك أن تسمح لي أيها السيد شوقي بأن أخابر
زوجتي بالهاتف لترسل لي من يقطر السيارة إلى حلب. لا تهتم للرطوبة أو
لعظامي، سوف أجلس إذا سمحت لي بجانب المدفأة وسوف يجف الحذاء وأطراف
البنطلون وسوف يصلون حالاً إذا سمحت لي باستخدام
هاتفك.
- شوقي: اذن كل شيء على
مايرام، سوف تخابر زوجتك، اطمئن.. هل انت جائع؟
- الدكتور عقيل: لا،
اشكرك.. تناولت طعامي قبل ان أنطلق. تعودت على هذا، لن أجوع قبل ان
أصل إلى البيت فتكون زوجتي قد جهزت المائدة.
- شوقي: لن تمانع في ان
نشرب الشاي الساخن، سوف يفيدك جداً.
- الدكتور عقيل:
حسن..
- شوقي: شعبان، أعمل لنا
الشاي وهات بعض البسكويت.
- (يخرج الخادم، السيد
يقود ضيفه إلى المدفأة)
- شوقي: تفضل إجلس إلى
جانب المدفأة ومد ساقيك نحوها. أشعر بالحزن عليك بسبب ما
أصابك.
- الدكتور عقيل: أفضل ان
أهتف إلى زوجتي أولآ ومن ثم نجلس.
- شوقي: سوف تجلس إلى جانب
الهاتف لتخابرها كيفما شئت. تفضل.
- الدكتور عقيل: بارك الله
فيك ياسيد..(يجلسان)
- شوقي: السيد
شوقي..
- الدكتور عقيل: ياسيد
شوقي.
- (يتناول الضيف
السماعة)
- شوقي: هل قلت ان اسمك
الدكتور عقيل؟
- الدكتور عقيل: نعم،
الدكتور عقيل، استاذ مساعد في الجامعة.
- شوقي: تشرفنا
يادكتور؟
- الدكتور عقيل: يزيد
شرفك، أنا يعني.. مرتبك جداً لأنني تثاقلت عليك سيد شوقي، لن أنسى
معروفك هذا ماحييت.
- (يضع الضيف السماعة على
اذنه فينصدم)
- شوقي: ماذا
هناك؟
- الدكتور عقيل: لا توجد
حرارة.
- شوقي: هذا غير معقول، في
الظهيرة طلب شعبان بعض المؤن بالهاتف..
- (يأخذ السيد السماعة
فيتأكد ان الحرارة مقطوعة)
- شوقي: فعلاً.. لا توجد
حرارة (يعيد السماعة إلى الحامل) على كلٍ هذا شيء طبيعي في مثل هذا
الطقس. أعتقد انها ستعود قريباً، في هذه المنطقة المعزولة تتكرر
الانقطاعات في الأجواء العاصفة لأن الخطوط هوائية
وقديمة.
- الدكتور عقيل: وماذا
أفعل؟ السيارة معطوبة وزوجتي تنتظرني على نار. انها تظل تقرأ الآيات
وتنفخها باتجاه طريق اللاذقية كلما كنت على سفر.
- شوقي: سوف تعلم من نشرة
الأحوال الجوية بأمر العاصفة، وسوف تحسب انك التجأت إلى مكان ما
بانتظار توقفها.. لا تقلق، ولكن قل لي.. لماذا تسافر في طريق الغاب
الموحش؟
- الدكتور عقيل: عندما
أكون في اللاذقية أقيم في بيت استأجرته خارج المدينة على طريق
البسيط. ثم انه طريق حديث ومنبسط والقيادة فيه مريحة رغم انه موحش..
ولكنني قد تعودت عليه. هل تعلم انها هي التي تنصحني باستمرار السفر
عليه..؟ تعتقد انه أأمن من الطريق العادي الذي تكثر فيه المنعطفات
الخطرة.
- شوقي: آه.. هذا صحيح،
ولكن كيف وصلت إلى بيتي، إنني أسكن في الغابة والبيت يبعد أكثر من
ثلاثة كيلو مترات عن الطريق؟
- الدكتور عقيل: ثلاثة
كيلومترات..؟ هل سرت كل هذه المسافة دون أن أدري؟(يضحك باحراج) في
الحقيقة لا أعرف كيف وصلت إلى هنا. اصطدمت السيارة بتلك الشجرة
اللعينة. وقفت انتظر مرور سيارة أخرى ولكن دون فائدة فالسير على هذا
الطريق نادر، خاصة وسط العواصف وفي الليل. فجأة خطر في بالي البحث عن
ملجأ، أي بيت يسكنه الفلاحون ويبدو انني وجدت بصيص نور داخل الغابة
فاتجهت نحوه.
- شوقي: ولكن أنوار بيتي
لا تشاهد من الطريق العام..
- الدكتور عقيل: لا تشاهد؟
ولكنني متأكد انني شاهدت نوراً.
- شوقي: هذا غريب، وبعد
ذلك.. ألم تخف من الخوض في الغابة، بعض الوحوش والضباع تتجول فيها في
الليالي العاصفة؟
- الدكتور عقيل: لم يخطر
في بالي هذا، كنت مضطراً.
- شوقي: أعتقد أنك شاهدت
بريق عيني أحد هذه الوحوش فحسبته نوراً صادراً عن بيت أحد
الفلاحين.
- (يزداد ارتباك وخوف
الضيف)
- الدكتور عقيل: بريق..
وحوش؟
- شوقي: لا تخف، إنني
أمزح، ولكن العناية الإلهية هي التي قادتك إلى هنا. سوف نعتني بك
جيداً حتى الصباح ثم سأطلب من شعبان ان يوصلك الى أقرب قرية. من هناك
تستطيع ان تجد وسيلة لمتابعة سفرك.
- الدكتور عقيل: هذا جيد،
ولكن كيف سأنتظر حتى الصباح دون ان أتصل بها.
- شوقي:
بمن؟
- الدكتور عقيل:
بزوجتي.
- شوقي: لو كنت أملك سيارة
لكنت خدمتك فوراً.. ولكن كما ترى.. الأمر خارج عن
إرادتي.
- الدكتور عقيل: هذا
صحيح.. لقد أشغلتك معي. لعنني الله كيف قدت السيارة إلى تلك الشجرة..
في الحقيقة لم أرها بسبب العاصفة.
- شوقي: قلت انك كنت تحضر
للدكتوراه في أوروبا.
- الدكتور عقيل: بالضبط..
أنا دكتور.
- شوقي:
وبماذا؟
- الدكتور عقيل: أنا دكتور
في التاريخ. اطروحتي كانت عن تاريخ العلوم عند العرب.. أنا متخصص في
هذا الفرع من التاريخ.
- شوقي: آه..!! عند
العرب؟.. هذا شيء ممتع.
- الدكتور عقيل: جداً،
إنني أهتم هذه الأيام بالبيروني.. هل تعلم انه ابتكر طريقة لجعل مياه
الآبار تصعد إلى السطح دون مضخات كما يفعلون هذه
الأيام؟
- شوقي:
كيف؟
- الدكتور عقيل: إنها
طريقة هندسية معقدة تعتمد على حفر العديد من الآبار. سوف أرسل لك
ملخصاً للطريقة.
- شوقي: سأكون لك من
الشاكرين.
- (يدخل الخادم يحمل صينية
الشاي، يضعها قريباً منهما ويقوم بملئ الفناجين)
- شوقي: هاهو الشاي جاهز،
سوف يدفئك جيداً.
- الدكتور عقيل: في
الحقيقة أشعر بالحرج.. انني أتعبكما.
- شوقي: سوف أقول لك شيئاً
يادكتور.. إنني هنا أشعر بالملل وابحث دائماً عن التسلية. سوف تشعر
بمقدار فرحي بك حين تتوقف عن الشعور بالحرج.
- الدكتور عقيل: أتمنى ذلك
(الخادم يقدم له فنجانه) شكراً لك ياأخ شعبان.. في الحقيقة أريد أن
أسأل، لماذا تعيش في هذه الغابة الموحشة مقطوعاً عن العالم، لو كنت
مكانك لنزلت إلى المدينة.. إنها تعج بالأنشطة
الثقافية؟
- شوقي: (يستلم فنجانه،
يطلق ضحكة خفيفة) أنشطة؟ لا تقل هذا يارجل، إنني ملك هذه الغابة
بينما المدينة تشعرني بالملل أكثر. إنني متواضع في متطلباتي، سوف ترى
ذلك بنفسك. كل ما أطلبه هو ان يزورني شخص ما كل مدة ومدة.. سوف
أراهنك على ان الحياة هنا أكثر مرحاً بوجود بعض الضيوف. هل تجيد
اللعب؟
- (الخادم يجلس في مكان
قرب البندقية المعلقة ويشرب شايه ويتابع الحديث ويظل
متجهماً)
- الدكتور عقيل: اللعب؟
(يضحك) أنا لم ألعب شيئاً في حياتي كلها، كل ما كنت أفعله هو الدراسة
والبحث في تاريخ العلوم.. في مهنتنا عليك ان تجيد عدة أشياء في وقت
واحد، التاريخ كتاريخ والعلوم كعلوم.
- شوقي: أراهن على أن
حياتك مملة.. وأنا أيضاً أحب العلوم. علم الألعاب، فاللعب فن ومهارة
وعلم. ليس هناك أمر أهم من اللعب في هذه الحياة.
- الدكتور عقيل: (يشير إلى
ورق اللعب بين يدي السيد) هل تقصد لعب الورق؟
- شوقي: نعم، الورق
والشطرنج وطاولة الزهر والبلياردو والروليت وغيرها.
- الدكتور عقيل: (ضاحكاً)
بصراحة إنني لا أجيد هذه الألعاب.
- (تبرق ونسمع صوت رعد
قوي، الضيف يرتعب)
- شوقي: وماذا تفعل في
ليلة عاصفة مثل هذه، هل تدرس وتبحث؟
- الدكتور عقيل: بصراحة؟
في العادة أعجز عن العمل في مثل هذا الطقس.
- شوقي: هذا ما أردت سماعه
منك. اسمع يادكتور.. عليك ان تلاعبني.
- الدكتور عقيل: ولكنني
لاعب سيء، سوف تمل مني ومن لعبي بينما أريد أن أكون ضيفاً خفيف الظل
لأنني أثقل عليك بوجودي..
- شوقي: سوف أعلمك، أنت
انسان ذكي وبابمكانك التعلم بسرعة.
- الدكتور عقيل: (ضاحكاً
باحراج) لا أظن ذلك، أنا تلميذ سيء في هذه الأمور.
- شوقي: ولكن علينا أن
نتسلى كي ننسى العاصفة.
- الدكتور عقيل: لماذا لا
نتحدث في أمور أخرى.. مثلاً أستطيع تسليتك إذا حدثتك قصصاً من
التاريخ، أو لنقل إذا حدثتك عن بعض الأمور الطريفة التي اخترعها
العرب القدماء؟
- شوقي: عن آبار البيروني
العظيم؟ هذه الأمور لم تعد مهمة، لقد اخترعوا المضخات. إنها أرخص من
حفر عدة آبار. اسمع يادكتور، أكثر شيء يسليني هو ان أكسب جولة في
اللعب.
- الدكتور عقيل: مادمت
تريد..
- شوقي: إذن فأنت
موافق.
- الدكتور عقيل: سوف أفعل
أي شيء يرضيك، فأنت مضيفي.. لا أستطيع الخروج الآن للبحث عن وسيلة
نقل.
- شوقي: أنت رجل طيب
ومتفهم.
- الدكتور عقيل: وكيف
ستعلمني اللعب؟
- شوقي: أولاً عليك ان
تحدد بماذا تريد أن تلعب.
- الدكتور عقيل: أفضل
الشطرنج فهي لعبة تتلاءم مع نشاطي الذهني والعرب القدماء برعوا
فيها.
- شوقي: اتركنا من الشطرنج
الآن، سوف نعود إليه لاحقاً لأنه أكثر تعقيداً ويحتاج الى تدريب
طويل، أقترح ان نبدأ بلعب الورق. هاهو في يدي.
- الدكتور عقيل: لا بأس،
مادمت تحبذ الورق فعندي الأمر سيان.
- شوقي: وهل تملك بعض
النقود المعدنية؟
- الدكتور عقيل:
لماذا؟
- شوقي: لتلعب بها. لتربح
أو تخسر. هذا هو اللعب، لا توجد في الدنيا متعة أكبر من متعة الربح.
إنني لا أطالبك أن تلعب بمبالغ كبيرة، مجرد ليرات تخشخش على
الطاولة.. في اللعب يجب عليك ان تراهن على شيء ما تملكه حتى ولو كان
حقيراً. الدنيا هكذا يادكتور. مراهنة مستمرة، ولن يدعك أحد تلعب
وتربح إذا لم تقم بالمراهنة على شيء تملكه.
- الدكتور عقيل: هذا شيء
مقنع.
- شوقي: تصور انك تريد ان
تشارك شخصاً في تجارة أو صناعة، وهي أعمال كما تعلم معرضة للربح أو
الخسارة، أي مراهنة مئة بالمئة، هل سيسمح لك بان تشاركه إذا لم تكن
تملك رأسمالاً؟
- الدكتور عقيل: بالتأكيد
لا..
- شوقي: إذن ابحث في جيوبك
لتر ماذا تحمل.
- (يبحث الضيف في جيوبه عن
ليرات معدنية. يخرج 5 ليرات يمدها نحو السيد)
- الدكتور عقيل: لقد وجدت
خمس ليرات. هل تكفي؟
- شوقي: طبعاً تكفي. تفضل
معي.
- ( ينهض الضيف، السيد
يقوده إلى طاولة اللعب)
- شوقي: هذا مكانك، تفضل
اجلس.
- (يجلس الضيف والسيد بحيث
يكون الخادم خلف الضيف. يسرع الخادم ويحضر بعض الأوراق وقلماً وينقل
فناجين الشاي ثم يعود إلى مكانه)
- (السيد يمزج الورق
بطريقة احترافية)
- شوقي: سوف ألاعبك لعبة
سهلة جداً.
- الدكتور عقيل: ألن
تعلمني في البداية قواعد اللعبة؟
- شوقي: سأعلمك القواعد
ونحن نلعب.. أنت ترى انني الآن المعلم وبيتي هو المدرسة. سوف أعلمك
القوانين باستمرار.
- الدكتور عقيل: المهم ان
تتسلى ياسيدي.
- شوقي: لا تخف علي، إنني
أتسلى حتى عندما أعلمك القوانين. انظر الآن، الورق فيه اثنتان وخمسون
ورقة. سوف أعطيك نصفها، أي ست وعشرين ورقة لكل منا. (يبدأ بتقسيم
الورق)
- الدكتور عقيل: (مازحاً)
لقد تعلمنا شيئاً جديداً، نصف الاثنين والخمسين ستة
وعشرين.
- شوقي: شاطر
يادكتور.
- الدكتور عقيل: أنا
تلميذك ياسيد.
- شوقي: (ينتهي من توزيع
الورق) الآن ضع حصتك من الورق أمامك. كل منا سوف يسحب أعلى ورقة من
أوراقه ويضعها هنا. الورقة الأعلى تربح. في النهاية سوف نحسب عدد
الاوراق عند كل واحد. يربح من كسب عدداً أكبر، مفهوم
يادكتور؟
- الدكتور عقيل: مفهوم
(سعيد) اللعبة سهلة.
- شوقي: سهلة، اليست كذلك؟
الآن أنا أضع خمس ليرات.
- الدكتور عقيل: هذا يعني
ان علي ان أضع نقودي.
- شوقي:
نعم.
- الدكتور عقيل: هذه هي
نقودي.
- شوقي: ابدأ من
فضلك.
- (يلعب
الضيف)
- الدكتور عقيل:
سبعة.
- شوقي: سبعة البستون، أنا
ألعب تسعة السباتي.. أنا أربح. (اللعب مستمر) تسعة، أنا ألعب شب أنا
أربح.. ثلاثة، أنا ألعب ستة أنا أربح.. شايب، أضع.. آه، انني ألعب
عشرة البستون (هنا على السيد ان يخسر ولكنه سيغير قواعد اللعبة كي
يظل يربح) أنا أربح..
- الدكتور عقيل:
(مستدركاً) ولكن، اليست ورقة الشايب أكبر من ورقة العشرة؟ هذا يعني
أنني أنا الذي سيربح ياسيد.
- شوقي: بالعكس، أنت لا
تعرف قوانين اللعبة جيداً(يخلط بين القواعد والقوانين عن عمد)، أنا
من يعلمك اياها، انني أربح لأنني أنزل بالبستون، البستون أعلى
لون.
- الدكتور عقيل: آه.. أنت
أدرى باللعبة، ها أنذا ألعب. امرأة الكبة..
- شوقي: آس.. أربح
أنا.
- الدكتور عقيل: اثنان
البستون.
- شوقي: شاب الكارو. أنا
أربح.
- (الضيف مستغرباً، يشعر
بان السيد يضع القواعد التي تلائمه، يعترض بتهذيب)
- الدكتور عقيل: ولكن
البستون كما شرحت لي.. يربح.
- شوقي: العب أرجوك، لا
شيء يقف في وجه الشاب.
- الدكتور عقيل: حسن، اننا
نتسلى.
- (يتابعان اللعب بسرعة
وصمت حتى تنتهي أوراقهما بينما يربح السيد باستمرار، تتحول حركات
الضيف إلى آلية حتى يضع آخر ورقة)
- شوقي: لا داعي لأن نعد
الورق أليس كذلك، فقد ربحتها كلها.
- الدكتور عقيل: (مازحاً)
أعتقد ان عليك عدها.
- شوقي: هات
الرهان.
- الدكتور عقيل:
تفضل.
- (يناوله
نقوده)
- شوقي: لا شيء أمتع من
الربح. يجب عليك ان تفهم ذلك يادكتور تاريخ العلوم. الليرات الخمس
مبلغ ضئيل، ضئيل وحقير، ولكن المهم في اللعبة هو
الربح.
- الدكتور عقيل: انك تصر
على الربح ياسيد، هل لهذا كل هذه القيمة عندك؟
- شوقي:
بالتأكيد..
- الدكتور عقيل: يسرني
انني سببت لك كل هذه السعادة، كنت محرجاً عندما وجدت نفسي داخل بيتك.
الآن أشعر بالراحة.
- (السيد يجمع ورق اللعب
ويشير إلى خادمه)
- شوقي: شعبان، خذ هذا
الورق واعطني ورق الستة وستين.
- شعبان: فوراً
ياسيدي.
- (الخادم يفعل، بينما
يتحدثان، يمزجه السيد كعادته)
- الدكتور عقيل: وماهي هذه
اللعبة؟
- شوقي: سوف أعلمك
قوانينها أولآ بأول.
- الدكتور عقيل: (يلمح وهو
يبتسم) وهل ستغير قوانينها حسب الـ..
- (الخادم يتأهب حين يسمع
التلميح، السيد يتوقف لحظة عن المزج، صوت الرعد من
الخارج)
- شوقي: إننا نتسلى
يادكتور.
- الدكتور عقيل: آسف،
العفو، لم أقصد واللهِ.. أنا مستعد.. تابع أرجوك.
- شوقي: على ماذا
ستراهن؟
- الدكتور عقيل: (يخرج
محفظته) على النقود. لن أحزن إن أنا خسرت كل نقودي، فاستقبالك لي في
حلكة الليل العاصف لا يقدر بثمن، إنني أعترف.
- شوقي: أرجوك ألا تسيء
إلي، إنني لا أقبض ثمن ايوائي لك في بيتي، إننا
نلعب.
- الدكتور عقيل: لنسمه
كذلك، ما الفارق؟
- شوقي: هناك فارق
كبير.(يمد له الورق)
- الدكتور عقيل: حسن حسن..
لماذا تمد لي الورق؟
- شوقي: اقطع من فضلك،
فأنا لا أغش.
- (يقطع الضيف الورق ثم
يقوم السيد بتوزيعه ستة لكل منهما ثم يضع الباقي في منتصف
الطاولة)
- الدكتور عقيل: حسن، إنك
لا تغش أيها السيد. ماذا علي أن أفعل بأوراقي؟
- شوقي: سوف تلعب الورقة
التي تراها مناسبة، ولكن يمكنك ان تزوج الشايب مع الداما لتربح
نقاطاً.
- الدكتور عقيل: هل ألعب
أولاً؟
- شوقي: لا، سوف ألعب أنا
الأول حتى أتمكن من شرح قوانين اللعبة لك.
- الدكتور عقيل: تقصد لكي
تضع قواعد اللعبة.
- شوقي: نفس الشيء، مادمت
في بيتي وتمسك ورقي، ومادمت تجهل قواعد اللعبة فبإمكاني أن أضع
القوانين.. إنها الشيء نفسه. انظر.. ربحت أربعين نقطة لأنني زوجت هذا
الشايب وهذه الدامة (يعرضهما عليه)
- الدكتور عقيل: وأنا أفعل
نفس الشيء سجل لي أربعين (يعرض عليه ورقتين)
- شوقي: (يضحك بنشوة) لا..
إنك مستعجل جداً، انهما من لون غير ملائم، أنا آسف.(يلعب ورقة) إلعب
من فضلك.
- (يأتي الضيف بحركة
مسايرة وهو يعرف ان اللعبة غير متكافئة، يلعبان بصمت ويربح السيد
باستمرار، ينهض الخادم إلى مقدمة الخشبة)
- شعبان: لماذا يستغربون
عندما يقوم سيدي بوضع قوانين اللعبة بشكل تلائمه علىالدوام؟ هذا شيء
طبيعي.. دعوني أشرح الأمر لكم كما شرحه لي سيدي يوماً. الحياة كلها
لعب. لعب بلعب.. يستيقظ الرجل في الصباح ويخرج من بيته ليذهب ويلعب
مراهناً على كل مايملك في هذه الألعاب. في السوق، في المكتب، في
الوظيفة، في سوق الهال، في البورصة.. في كل مكان. الرجل يلعب مع
الغير، والغير يلعب مع الآخر وهكذا. كل الناس يقامرون مع بعضهم
البعض. الرجل قد يأخذ بضاعة ويسافر بها، انه يقامر بماله وبحياته.
ولكل لعبة من كل هذه الألعاب قانون. من يضع هذه القوانين ياترى؟..
انه السيد. السيد يضع القانون. أريد أن اسأل: من يضع قانوناً ويأتي
ضد مصلحته. السادة يصنعون القوانين ليربحوا وليس ليخسروا.. الليلة
سيدي هو السيد ويجب ان تتم هنا لعبة، وهذه اللعبة تحتاج إلى قانون
وسيدي هو الذي سيضعه وسيربح في النهاية. انها فكرة بسيطة ولا تحتاج
إلى تفكير عميق. شرحها لي يوماً سيدي فاقتنعت بها، وأنتم ترونني
واقفاً هنا على أهبة الاستعداد فقد يعترض الضيف ويرفض المبدأ، عندها
سأتدخل.. لدينا العديد من بنادق الصيد الملقمة والجاهزة.
- (يشير إلى بندقية الصيد
المعلقة على الجدار ويعود إلى مكانه)
- (لقد ربح السيد، يلتقط
المحفظة من امام الضيف وهو منشرح)
- شوقي: لقد ربحت، والربح
متعة. إنني أعيش لأربح. عندما لا أربح أصاب بالضيق.
- الدكتور عقيل: إنني سعيد
لأنك تربح وسعيد لأنني أراك منتشياً بسبب الربح، ولكن هل خسرتُ كل
نقودي؟
- شوقي: طبعاً، لقد راهنت
عليها كلها على ما أعتقد. لم تخرج من المحفظة بعض الأوراق المالية
وتضعها على الطاولة كرهن.. ماذا.. هل تراجعت؟
- الدكتور عقيل: طبعاً
لا.. ولكنني أتساءل كيف سأتابع السفر صباحاً، فلم يبق معي ولا ليرة
واحدة، أرجوك اترك لي خمسمأة ليرة على الأقل.
- شوقي: عليك ان تلعب
لتربح خمسمأة ليرة.
- الدكتور عقيل: لا أملك
ما ألعب به.. انتهت نقودي.
- شوقي: سوف أقرضك مئة
ليرة.
- (الضيف يضحك مسايرة
ولكنه يبدأ بالشعور بالضيق، يستدير إلى الخادم الذي يتأهب على الفور،
يوافق)
- شوقي: ماذا
قررت؟
- الدكتور عقيل: يبدو أنني
لا أملك الخيار.
- شوقي: لا تقل إنني أجبرك
على اتخاذ قرارات لا تريدها. إذا كنت مستاءً فبإمكانك التوقف عن
تسليتي.
- الدكتور عقيل: وهل ..
ستغضب..؟
- شوقي: نعم سأغضب، لن
نكون أصدقاء بعد ذلك، ولن أكون مسؤولاً عنك، وبإمكانك حتى مغادرة
منزلي على الفور.
- (برق ورعد مخيفان، الضيف
يطرد من ذهنه أية فكرة للاعتراض)
- الدكتور عقيل: أنا لا
أقصد ياسيد.. فعلاً إننا نتسلى. هات اقرضني مئة ليرة. ثم ان النقود
آخر شيء أهتم به، ولم أعتد على اللعب من أجل الشعور بلذة
الربح.
- (يخرج السيد من المحفظة
مئة ليرة ويعطيها للضيف)
- شوقي: إنني أثق
بك.
- الدكتور عقيل: آه، على
فكرة، كيف سأردها لك؟
- شوقي: عليك ان تلاعبني
إلى أن تتمكن من رد المبلغ.
- الدكتور عقيل: وهل أملك
فرصة؟
- شوقي:
طبعاً.
- الدكتور عقيل: إذن دعنا
نلعب لعبة أخرى، أنا اقترح مباراة بالذاكرة.
- شوقي: (مستغرباً)
بالذاكرة؟
- الدكتور عقيل: نعم،
(يتحمس) أو لنسمها لعبة المعلومات. سوف نتسابق، من يعرف أكثر
يربح.
- شوقي: المعلومات ليست
شيئاً يمكن تعلمه فوراً كما أقوم أنا بتعليمك قواعد ألعاب الورق. هذه
أمور تُكتسب على مدى سنين طويلة. سأوافق إن مللت الورق، فأنا أعرف
أشياءً من المؤكد أنك لا تعرفها وستخسر لا محالة.
- الدكتور عقيل: مثل
ماذا؟
- شوقي: سوف أسألك سؤالاً،
هل تراهن على المئة ليرة؟
- (يفقد الضيف ثقته بنفسه،
يرتبك)
- الدكتور عقيل: لماذا..
لا أسألك أنا؟
- شوقي: علومك لا تهمني
يادكتور، ثم إنني السيد هنا وأنا احدد المجال.
- الدكتور عقيل: هل يمكن
أن أعرف مثالاً دون أن أراهن؟ على الأقل لمرة واحدة؟
- شوقي: لا بأس.. (فترة )
من اخترع الكوكا كولا؟
- الدكتور عقيل: ماذا؟
الكوكا كولا؟ لقد فاجأتني.
- شوقي: أنت ترى أنك كنت
ستخسر آخر ما تملك.
- الدكتور عقيل: لماذا لا
تسمح لي أن أسألك بدوري؟
- شوقي: إذا سألتني فإنني
أفقد امتيازي..
- الدكتور عقيل: وماهي
امتيازاتك؟
- شوقي: انني مالك هذا
البيت، انه لولا التجاؤك الينا لأكلتك وحوش الغابة. أليس لهذا امتياز
أو ثمن؟ بيتي أنقذ حياتك.
- الدكتور عقيل: هذا يعني
أنني أسير معروفك.
- شوقي: أنت أسير وجودك
هنا.
- (الضيف يفهم انه في
ورطة، ينهض)
- الدكتور عقيل: أرى ان
علي أن أغادر، كنت أحسب ان مانفعله هو ضرب من التسلية المحضة. صحيح
انك السيد في هذا البيت ولكن هذا لايعني ان تجبرني على اللعب بألعاب
تقوم بفرض قواعدها وتغيرها باستمرار لكي تربح باستمرار أيضاً. أشكرك
على لطفك ياسيد وإلى اللقاء.
|