مسرحية " البيانـو "
لنهاد سيريس

الشخصيات:
بديعة: امرأة في الأربعينات. ناضجة وجميلة.
عمران: رجل في الخمسين.
عبد: زوج بديعة، في الخمسين.
سلمى: الخادمة.

المشهد الأول
( نحن في صالون بيت بديعة الفاخر ولكن يبدو انه قد جرى تقليل الفرش بعض الشيء أو قد تم بيعه. هناك بيانو والعديد من الاكسسوارات غالية الثمن: هاتف، تلفزيون، ستيريو، فيديو، أواني فضية وغيرها. على الجانبين، أبواب ومنها باب الشقة)
(جرس الباب)
( تأتي خادمة ريفية المنشأ وتتجه نحو باب الشقة وتفتحه. نرى عمران وبيده جريدة . انه على ما يبدو قادم لشراء البيت المعروض للبيع في الجريدة لهذا نراه يتفحص البيت بدون مغالاة.)
الخادمة:نعم..؟
عمران: مرحبا.
الخادمة: مرحبتين..
عمران: في امكانية أشوف البيت.. حسب الإعلان في الجريدة..؟
الخادمة: مشان تشتريه؟
عمران: بالضبط.
الخادمة: تفضل رتاح دقيقة لبين ما تجي الست.
عمران: الله يزيد فضلك.
( يدخل عمران. تدله الخادمة على مقعد فيجلس وهو يتطلع إلى ما سيشتريه. تتجه الخادمة نحو أحد الأبواب وتطرقه وتنادي.)
الخادمة: ستي.. ياستي.
ص.بديعة: نعم يا سلمى.
الخادمة: جاية حدا مشان البيت.
ص.بديعة: دقيقة وحدة.
( تقوم الخادمة بأي عمل لكي لا تترك عمران بمفرده. بعد قليل تأتي بديعة من تلك الغرفة. ولكنهما يعرفان بعضهما فتحدث المفاجأة.)
تقف في مكانها من المفاجأة هو يقف غير مصدق. تخرج الخادمة.)
بديعة: عمران..؟
عمران: بديعة؟
( تصافحه، هي محرجة. تدعوه للجلوس.)
بديعة: تفضل ارتاح.. (تنظر إلى الجريدة) تفضل..
( يظل واقفاً مثلها. تصر.)
عمران: مفاجأة.. أنا تفاجأت.
( تظل تشير له فيجلس. هي تلقي نظرة سريعة إلى مرآة لتتأكد من أناقتها وجمالها.)
بديعة: وأنا كمان.. بعد زمان..
عمران: اي والله.. بعد زمان يابديعة.
بديعة: فين كنت هالغيبة..؟ كل هاد في الخليج؟
عمران: اي نعم.. في الخليج.
بديعة: خمسة وعشرين سنة في الخليج؟.. في نفس البلد؟
عمران: عشر سنين في السعودية.. وعشر سنين في دبي.. والباقي في ابو ظبي.
( تجلس. يستمر التكلف والابتسامات.)
بديعة: طولت.. بتشرب شي؟.. (لا تنتظره، تنادي) سلمى!
عمران: قهوة إذا سمحتي.. اي والله طولت شوي.
بديعة: شوي وبس..؟
( تدخل الخادمة)
الخادمة: نعم ياستي.
بديعة: فنجانين قهوة.. (له) بلا سكر؟
عمران: بلا سكر.
بديعة: تنين قهوة بلا سكر ياسلمى.
الخادمة: حاضر ياستي.
( تخرج الخادمة. تتأكد من اناقة ثيابها لأنه لا ينظر إليها.)
بديعة: وايمتى جيت؟ قصدي، قررت ترجع خلص والا رح ترجع.. قصدي لهنيك؟
عمران: رجعت خلص.. (يضحك) ما حاج؟
بديعة: لأ حاج طبعاً.. الله يلعن الغربة.
عمران: انتي السبب.
( يظل يحدق بها، هي متفاجئة لهجومه، تسوي ثيابها ثم شعرها لتخفي حرجها.)
بديعة: هيك صار.. أنا ماكنت متصورة.. انو.. يعني..
عمران: ماكنتي متصورة أزعل؟
بديعة: يعني.. على كل حال شايفتك انت منيح كتير.
عمران: إش كنتي متصورة؟
( تنهض فينهض.. الحركة ضرورية أثناء المواجهة الكلامية.)
بديعة: أنا باعرف انك كنت زعلان.. بس نصيب.
عمران: نحن كنا منحب بعض. حقي أزعل.. حقي أضل زعلان لحد هلق.. حقي والا لأ؟
بديعة: حقك ياعمران.. خلينا ما نحكي.. لكن خلينا نحكي، انت لازم تتفهم موقفي.. كان وضعي صعب.
عمران: عظيم.. لازم نحكي. أنا من هداك اليوم ما حسنت أفهم ليش فضلتي عبد علي..
بديعة: كنت مضطرة.
عمران: لأنو كان غني؟
بديعة: كنت مضطرة..
عمران: لأنو كان غني ما هيك؟ بس أنا وهوكنا أصدقاء. انا اللي عرفتو عليكي. حبيتوا بعض من قفاي؟
( كانت تجاهد لتقول شيئاً ولكن دخول الخادمة ينقذها.)
الخادمة: القهوة ياستي.
بديعة: حطيها يا سلمى.
( يعودان للجلوس، تضع الخادمة لكل منهما فنجانه حيث يجلس ثم تخرج. كانا ينتظرانها لتخرج ليتابعا.)
بديعة: اشرب قهوتك ياعمران.
عمران: بعدين.. سالتك إذا كنتوا حبيتوا بعض.
بديعة: ما باعرف ياعمران.. هداك الوقت ما كنت باعرف شي.. كنت صغيرة.
عمران: أنا كنت باحبك. كنت بافتخر فيكي.. بكل سذاجة قررت أعرفك على أحسن صديق إلي.. على صديقي العزيز عبد..
بديعة: انت كنت تحكي لي عنو دائماً.. ما منكون مع بعض إلا وسيرتو معنا باستمرار.. إلا وهو تالتنا.
عمران: كنت بافتخر فيكي وفيه.
( تنهض فينهض.)
بديعة: انت شخص أحسن مننا تنيناتنا.. كنت أحسن مني ومنو.
عمران: كنت ساذج وغبي.. عرفت صديقي الوحيد على حبيبتي.. بتتذكري؟ جيت علىالموعد وجبتو معي. كنا منتقابل في حديقة عامة. انتي جيتي متأخرة. كنت قايل لك اني رح احاول أجيب رفيقي عبد حتى أعرفكن على بعض. رحنا بعدين قعدنا في شي كافتيريا. أكلنا بوظة.
بديعة: صحيح، أكلنا بوظة.
عمران: في الموعد اللي بعدو كنا لوحدنا، قلتي لي انو ما كتير عجبك وأنا قعدت أعدد لك محاسنو.
بديعة: قلت لك بوقتها انك ألطف.
عمران: قولي لي الحقيقة من فضلك، كنتي عم تقولي الحقيقة والا .. كنتي..؟
بديعة: كنت عم أقول الحقيقة وحياتك.
عمران: لكان امتى بلش يعجيك؟
( تحاول التهرب.)
بديعة: بعدين.. بعدين.
عمران: بس صرتوا تتقابلوا من ورا ضهري.
بديعة: ما إسمها مقابلات.. بصراحة كانت صدف.
عمران: شلون يعني صدف؟
بديعة: يعني صرنا نتقابل في الشارع أو جنب بيتنا.
عمران: هو اللي كان يظبط الحالة حتى اتبين صدفة؟
بديعة: ما باعرف.
عمران: أرجوكي قولي لي.
بديعة: وإشو فائدتها هلق؟ صار اللي صار. إش رح تستفيد؟
عمران: لحتى الآن ما فهمت شلون صار اللي صار.. عندي رغبة شديدة انو أفهم.. أرجوكي. هالموضوع خلاني أسهر ليالي بحالها وأنا عم افكر شلون بغبائي خليتك تروحي من ايدي.. لعنت نفسي مئات المرات.
بديعة: واتعذبت؟
عمران: كتير.. لذلك أرجوكي تقولي لي.. رايد أعرف، هالشي رح يريحني، على عكس ما بتتصوري.
بديعة: يبدو كان عبد عم يظبط اللقاءات حتى اتبين انو صدفة محضة.
عمران: (بسخرية) برافو.. وانتي كنتي بتعرفي انو عم يظبط.. وما قلتي لي.
بديعة: هادا خطأي.. كان لازم أصدو من البداية.
عمران: وزارك في البيت؟
بديعة: مين.. عبد؟ هداك الوقت؟ (نتوقع انها ستقول لا) أظن زارنا في البيت.
عمران: وكان محضر حجة.. والا..؟
بديعة: قال انو كان مارر من جنب بيتنا. ببساطة كنت حاسة عليه عم يكذب، لكن.. كنت صبية ومعتزة بنفسي.. كان اعجاب شبين فيني بزيدني افتخار بنفسي.
عمران: واحد منهم كان يحبك.. مو بس قضية إعجاب.. قصدي أنا كنت أحبك..
بديعة: بالضبط.
عمران: وكنتي مبسوطة على حالك.. اتنين راكضين وراكي؟
بديعة: متل ما قلت لك.. كنت صغيرة وكنت مبسوطة.
عمران: كان عمرك اتنين وعشرين سنة.
بديعة: اتنين وعشرين سنة يعني صغيرة.. مو متلي هلق، رايحة على الخمسين.
عمران: ليش ما حكيتي لي.. ليش؟
بديعة: كنتوا رح تتقاتلوا لو عرفت. مشان هيك ما حكيت. بعدين، لازم تعرف شغلة مهمة، أنا كنت أحبك إلك.. معو كنت مبسوطة على حالي متل ما شرحت لك.
عمران: أنا متأكد أني أنا اللي كنت أحبك.. من ناحيتك، وبعد اللي صار، اتأكدلي انك ما كنتي بتحبيني.
بديعة: اسمع مني وكون مرتاح.. أنا كنت بحبك إلك.
عمران: إذن ليش ما حكيتيلي إش كان عم يخطط عبد؟
بديعة: هيك.. القدر.
عمران: صديقي سرق مني حبيبتي وهي عم اتسمي هالشي قدر.. هادا اسمو خيا...
بديعة: (تقاطعه) سميه قدر.. نصيب. أحسن للكل.
عمران: ولأني ما عم أحاكمك.. رح اسميه نصيب متل ما بتريدي. وبعد ما أجا لبيتكم مرة مرتين وكان يسميها صدفة، إش صار بعدين؟
بديعة: طلب مني ما أجيب سيرة إلك حتى ما تفهم الموضوع غلط. صدقتو.. فعلاً فكرت انو ما لازم تعرف. شي كان عم يدفعني بقوة حتى ما أجيب سيرة إلك.
عمران: وكنتي تكذبي علي.
بديعة: أرجوك بلا كلام جارح.. أنا بس كنت أسكت على لقاءاتنا أنا وعبد حتى ما تفهم الموضوع غلط. وأهم شي كنت مفكرة انو طلعاتنا أنا وهو مؤقتة.
عمران: باعتذر.. قصدي عم تكذبي علي لأنك كنتي مضطرة اتغيري كتير من الوقائع حتى ما أعرف.
بديعة: شلون يعني؟
عمران: يعني لما أسألك إش عملتي البارحة كنتي تقولي ما عملت شي.. مع انو تكوني طلعتي انتي وعبد.. هادا يعني انك اضطريتي تكذبي علي.
بديعة: بهذا الشكل صح.. كنت عم أكذب. بس الهدف هو عدم إزعاجك.
عمران: مفهوم.. وكان يجيب لك هدايا؟
بديعة: في كل مرة.. أوعى تنزعج.
عمران: صار اللي صار متل ما عم تقولي.. أنا رايد أعرف الوقائع لا غير.
بديعة: ماشي الحال ياعمران.. ومشان الوقائع.. الجواب نعم، كان يجيب هدايا.
عمران: متل إيش؟
بديعة: مجرد هدايا.. زجاجة عطر.. شكلة شعر.. جزدان، وردة حمرا.. إلى آخرهِ..
( كأنه يتعذب.)
بديعة: شايفتك مزعوج، أرجوك خلينا نقعد نشرب القهوة وننسى اللي صار.. لأنو صار اللي صار. انت جاية مشان البيت؟
عمران: خلينا في موضوعنا، بعدين منحكي مشان البيت. وكنتي تفرحي بالهدايا.. مو هيك؟
بديعة: تقريباً.
عمران: تقريباً والا بالضبط؟
بديعة: نوعاً ما..
عمران: بس كنتي اتحبي الهدايا. أنا ما كان معي مصاري أشتريلك هدايا. هو كان معو مصاري.
بديعة: في البداية المصاري ما كانت على بالي.. كنت باحبك إلك.
عمران: على كلٍ، رغم كنت فقير، أنا اللي اشتريت لك شكلة الشعر وجبتلك الوردات الحمر، مو هو.
بديعة: آه.. صحيح.. فعلاً. أنا آسفة، اختلط علي الموضوع.
عمران: مافي مشكلة.. هداك الوقت كنتي تحبي تروحي على السينما.. كان ياخدك على السينما؟
بديعة: أخدني على السينما.
عمران: كم مرة؟
بديعة: مستحيل اتذكر.. إشو هالسؤال؟
عمران: لازم أعرف يا بديعة.. سؤال مهم بالنسبة إلي.
بديعة: خايفة عليك تتعذب أكتر.
عمران: بالعكس.. اتعذبت بما فيه الكفاية.. أجا الوقت اللي لازم بقا ارتاح.. أعرف كل شي وأرتاح. طيب رح اسألك بطريقة تانية وانتي جاوبيني أرجوكي.. أخدك على الفيلم الهندي "جنكلي" ؟ لشامي كابور؟
بديعة: أخدني على فيلم جنكلي.
عمران: كم مرة؟
بديعة: شلون يعني كم مرة؟..
عمران: كم مرة يعني كم مرة.. بوقتها، هالفيلم شافوه الناس أكتر من مرة.. أخدك مرتين تلاتة، اربعة؟
بديعة: أكتر من مرة، بس مابقيت أعرف عدد المرات.
عمران: أنا أخدتك مرتين على فيلم جنكلي.
بديعة: انت اللي أخدتني مرتين والا هو؟ كنت مفكرة هو.. هلق اتذكرت.. شفت الفيلم خمس مرات.
عمران: هادا يعني أنا أخدتك مرتين وهو تلات مرات.
( تحاول التذكر.. يختلط عليها الشخصان في ذلك الوقت.)
بديعة: مين أخدني على فيلم " الخطايا" لعبد الحليم حافظ؟
عمران: اسألي نفسك.
بديعة: بدأت أخربط بينك وبينو. الأفضل انغير الموضوع.
عمران: كنت باتمنى أكون أنا الوحيد اللي محتل ذاكرتك.. الحب، يعني الاستئثار بالذاكرة.. وعدتك انو ما أزعل ويكون حديثنا عادي.. يعني للمعرفة وبس. أنا يا بديعة اللي أخدتك على فيلم الخطايا.. وبريد اذكرك أكتر.. بوقتها بكيتي في الفيلم، خصوصي لما عماد حمدي طرد عبد الحليم وفهمو انو هو مو ابنو. عطيتك محرمتي وصرتي تمسحي دموعك فيها وخليتيها معك. بعدين آخدتها منك مشان احتفظ فيها للذكرى لأنها امتصت دموعك الطاهرة.
( موقف مشحون.. )
بديعة: واحتفظت فيها؟
عمران: طبعاً.. انتي صنعتي ذكرياتي الأولى، هالمحرمة كانت اتذكرني بكل التفاصيل.
بديعة: أنا آسفة.. (تكاد تغص) خلينا نتوقف.. ما عدت أحسن استمر.. رح أكون صريحة معك. هالذكريات صارت اتسبب لي ألم.. متل تأنيب الضمير.. أو الشعور بتصرف أخرق عملتو لما كنت صغيرة وغبية.. خلينا نحكي بالبيت، بعد شوي رح يرجع عبد.
عمران: امتى بيرجع في العادة؟
بديعة: الساعة تنتين ونص.
( ينظر في ساعة يده، يطمئن.)
عمران: بكير لسه.. بكير كتير. أنا ماني رايد أقابلو، رح أمشي قبل ما يوصل، بس لازم نحكي يا بديعة. طول ما أنا في الخليج كنت عم أخلي عقلي يتصور انو أنا وانتي متقابلين.. متل هلق، وجهاً لوجه وعم نحكي.. كنت أحلم بهالشي.. مو بس أحلام عادية.. أحلام يقظة كمان. كنت طول الوقت اتصور نفسي عم أسألك عن الحقيقة.. إش صار بالفعل، لأني كنت قاعد عم أخطط لحياتنا سوا.. عم أشتغل ليل نهار حتى أحسن آخدلك بيت محترم بالإيجار وأحسن أفرشو.. وفجأة انهارت كل أحلامي.. صديقي خطف مني حبيبتي وخطيبتي.
( هي محرجة.. تتمنى ان تنشق الأرض وتبتلعها.)
بديعة: ما باعرف إش أقول..
عمران: على كلٍ ما في ضرورة تتألمي.. كل اللي بدي ياه هو انو أعرف إش صار.. أنا كنت عم اتألم لأني ما كنت عارف شلون صار اللي صار.. إذا عرفت يابديعة رح أرتاح. انتي معي، ما هيك؟
بديعة: (لا تريده ان يتألم) أنا معك ياعمران..
عمران: إش كانوا